الذهبي
786
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وَكَانَ الرَّشِيدُ قَدْ غَضِبَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى لِتَرْكِهِ الشُّرْبَ مَعَهُ . وَكَانَ الْفَضْلُ يَقُولُ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يُنْقِصُ مِنْ مُرُوءَتِي مَا شَرِبْتُهُ ، وَكَانَ مَشْغُوفًا بِالسَّمَاعِ . وَأَمَّا جَعْفَرٌ فَكَانَ يُنَادِمُ الرَّشِيدَ ، وَأَبُوهُ يَأْمُرُهُ بِالإِقْلالِ من ذلك فيخالفه ، وقد كان يحيى قال : يا أمير المؤمنين ، أنا والله أكره مداخل جعفر معك ، فلو اقْتَصَرْتَ بِهِ عَلَى الإِمْرَةِ دُونَ الْعِشْرَةِ ، قَالَ : يا أبة ، ليس هذا بك وَلَكِنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُقَدِّمَ الْفَضْلَ عَلَيْهِ . قَالَ ابن جرير : حدثني أحمد بن زهير ، أظنه عَنْ عَمِّهِ زَاهِرِ بْنِ حَرْبٍ ، أَنَّ سَبَبَ هَلاكِ الْبَرَامِكَةِ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ لا يَصْبِرُ عَنْ جَعْفَرٍ ، وَعَنْ أُخْتِهِ عَبَّاسَةَ بِنْتِ الْمَهْدِيِّ ، قال : وكان يحضرهما مَجْلِسَ الشَّرَابِ ، فَقَالَ : أُزَوِّجُكَهَا عَلَى أَنْ لا تمسها ، فكانا يثملان من الشرب وهما شابان ، فيقوم الرشيد ، فيثب جَعْفَرٌ عَلَيْهَا ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ غُلامًا ، فَخَافَتِ الرَّشِيدَ ، فَوَجَّهَتْ بِالطِّفْلِ مَعَ حَوَاضِنَ إِلَى مَكَّةَ ، وَاخْتَفَى الأَمْرُ ، ثُمَّ ضَرَبَتْ جَارِيَةً لَهَا فَوَشَتْ بِهَا إِلَى الرَّشِيدِ ، فَلَمَّا حَجَّ أَرْسَلَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ الْحَوَاضِنُ ، وَهَمَّ بِقَتْلِ الصَّبِيِّ ، ثُمَّ تَأَثَّمَ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْحِيرَةِ ، وَنَاحِيَةِ الأَنْبَارِ أَرْسَلَ لَيْلَةَ السَّبْتِ لانْسِلاخِ الْمُحَرَّمِ إِلَى مَسْرُورٍ الْخَادِمِ وَمَعَهُ أَبُو عِصْمَةَ وَأَجْنَادٌ ، فَأَحَاطُوا بِجَعْفَرٍ لَيْلا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَسْرُورٌ ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِ لَهْوِهِ ، فَأَخْرَجَهُ بِعُنْفٍ ، وَقَيَّدَهُ بِقَيْدِ حِمَارٍ وَأَتَى بِهِ ، فَأَعْلَمَ الرَّشِيدَ ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ ، فَفَعَلَ . وَحَدَّثَ مَسْرُورٌ قَالَ : وَقَعَ عَلَى رِجْلَيَّ يُقَبِّلُهَا ، وَقَالَ : دَعْنِي أَدْخُلُ فَأُوصِي ، قُلْتُ : لا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ ، فَأَوْصِ بِمَا شِئْتَ ، فَأَوْصَى ، وَأَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ ، ثُمَّ ذَبَحْتُهُ بَعْدَ أَنْ رَاجَعْتُ الرَّشِيدَ فِيهِ ، وَأَتَيْتُهُ بِرَأْسِهِ . ثُمَّ وَجَّهَ الرَّشِيدُ جُنْدًا أَحَاطُوا بِأَبِيهِ ، وَبِجَمِيعِ أَوْلادِهِ وَمَوَالِيهِ ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَمْلاكُهُمْ ، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْعُمَّالِ بِقَبْضِ مَالِهِمْ ، وَبُعِثَتْ جُثَّةُ جَعْفَرٍ إِلَى بَغْدَادَ ، فَنُصِبَتْ عَلَى خَشَبَةٍ ، وَنُودِيَ أَلا لا أَمَانَ لِمَنْ آوَى أَحَدًا مِنَ الْبَرَامِكَةِ . ثُمَّ أَمَرَ الرَّشِيدُ يَوْمَ دَخَلَ الرَّقَّةَ بِقَتْلِ أَنَسِ بْنِ أَبِي شَيْخٍ ، فَقُتِلَ وَصُلِبَ عَلَى الزَّنْدَقَةِ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبَرَامِكَةِ .